منتدي عابدين لمعلمي التربية الفنية

منتدي عابدين يشمل كل ما هو جديد وعصري في مجال التربية الفنية والفنون التشكيلية



    مقالات فنية

    شاطر
    avatar
    abdeen_sh

    عدد المساهمات : 78
    نقاط : 214
    تاريخ التسجيل : 05/04/2010
    العمر : 39
    الموقع : abdeen.roo7.biz

    مقالات فنية

    مُساهمة  abdeen_sh في الإثنين أبريل 12, 2010 7:19 am

    الفنان محمد أبو زريق
    التشظي هو إبداع على جدلية هذا الحضور وهذا الغياب ، لكن بعض الرسامين
    يرفضون الدخول إلى هذه اللعبة مع مكان مبعثر في الذاكرة ، ولا يقبلون الرسم
    إلا لما يمكن معاينته بالمشاهدة الحية.
    إن هذا النوع من الباحثين عن المحاكاة يجب عليهم تجنب ما يسمى بالمحاكاة
    الشكلية بل عليهم أن يتدربوا على استقبال إشارات المكان أو الاندماج فيه
    وإلا فإن ما يرسمون لا يتعدى أن يكون صورة فوتوغرافية، وكما يرى أرسطو فإن
    على الفنان ثلاثة شروط هي: (ابتعاد عن المظهر ، واقتراب من الجوهر ،ابتعاد
    عن الجزئي ، واقتراب من الكلي ، ابتعاد عن الأرضي ،واقتراب من الإلهي) أما
    تقنيا فعليه التفريق ما بين الشكل والهيئة إذ (أن الهيئة تختص بالتعامل مع
    الحيز المكاني الذي يشغله الموضوع في الفراغ ونقصد به هيئته المادية التي
    تحددها التضاريس الخاصة به ) والتي تؤثر في طبيعة المشهد وتستنطق خباياه.
    كثيرا ما يهتم الرسام بالمناطق الأثرية محاولا التغني بالأثر أو تسجيله،
    وربما استقراؤه ، وربما ينحرف بالتصوير ليسجل ما لا يرى ، ويحفر في الطبقات
    الأكثر عمقا ، وقد يرمم ما ناله من عوامل التعرية والزمن، بتصورات قريبة
    أو بعيدة ، لكنه لا ولن يستطيع استنطاق المكان إلا إذا استطاع أن يتوحد فيه
    ، ولا يتم له ذلك إلا بالبحث والتنقيب ، بل عليه القيام بالبحث المقارن ،
    ليتم التعرف على الطرز والمعتقدات الميثولوجية والأدب الشعبي، الذي عشعش في
    هذا المكان ، ضمن المرحلة التاريخية التي ولد فيها والمراحل اللاحقة التي
    أثرت فيه ، (فللفن بصفة عامة مهمة الكاميرا الروحية لا الميكانيكية ،وأن
    على الفنان أن يمتلك لقدراته أكفأ عناصر التعبير التي تمنح صياغاته معنى
    فنيا وإنسانيا واضحا ومقبولا) .
    لكل مكان تاريخه الخاص وما على الرسام إلا أن ينبش طبقاته الآركيولوجية
    ليتبين أن لكل طبقة فيه مبدعيها وأن هذه الطبقات موقعة بأسمائهم وإبداعهم ،
    وما لم يكن الفنان على درجة من الوعي التاريخي والأركيولوجي للمكان، فإنه
    سيشوه المكان ويسيء إليه،ولن يتمكن من استنطاق روحه والإبداع فيه وعليه،
    لذلك فإن أهمية الثقافة للفنان هي بمثابة جواز سفر للدخول إلى المكان ،
    والتماهي فيه وفهمه كخطوة ضرورية للإبداع.
    إن شاعرية المكان تلقي في قلب المبدع شيئا منها ، وتعطيه الألفة التي (تصون
    قدرة العقل على تذكر المكان ، فتصور الشيء الغابر ، متلمسا طريقه في دافع
    المعايشة الحسية لذات المكان) الأمر الذي يوحد الروح ما بين المبدع وبين
    إبداعه ، وهي ميزة لا تتوفر في آلات التصوير الفوتوغرافي أو طرائق الرسم
    المبرمجة على الحاسب ، بل تبقي على ذلك الحس الإنساني المتميز في كل عمل
    فني جميل .
    يستدعي هذا فهم الطرز الفنية والأساليب المتبعة في فنون الأقدمين، والتعرف
    على التقنيات البدائية التي نفذت فيها أعمالهم الفنية البصرية والمعمارية،
    والتعرف على الخامات والمواد وكيفية إعدادها ، بل ومحاولة تقليدها أو
    التماهي في أسلوبها ، بل على الفنان أن يضع في حسابه المستقبل أيضا ، ولذلك
    قيل : (إن الفنانين يوحدون عبر عصورهم العالم الماضي مع العالم القادم) .
    يتطلب هذا التعرف على طبيعة عاداتهم ومعتقداتهم الميثولوجية، وأنواع الطعام
    والشراب والملابس والأدوات التي كانوا يستعملونها ، ليس بهدف التقليد
    ،وإنما للوصول إلى الحد الأدنى من تمثل الروح لهؤلاء الأقوام ،كشرط للتعبير
    عن المكان الأركيولجي الذي يخصهم بجدارة واحتراف .
    تشكل ثنائية البعيد والقريب ، الصغير والكبير ، الكل والجزء في المكان ،
    الركن الأساس لرؤية الفنان ، ومن خلال هذا الجدل يتكون البناء الفني للمكان
    ، والرسام المبدع من يستطيع محاورة هذه الثنائية، عبر ترابط ما، في علاقة
    مفترضة، تمتلك بنيتها وحياتها، ومن أجل ذلك يقوم بالتفكيك وإعادة البناء أو
    العكس ، في توزيع قادر على تحريك الكتلة والفراغ ، أو العناصر والفضاء ،
    وقد عانى كثير من الفنانين من هذه الثنائية ، وربطوها في تلك العلاقة فيما
    بينهم وما بين القماش ، فهذا دوستايل يصرح: (إنني أفتقد الاتصال مع القماش
    في كل لحظة ثم أستعيده ثم أفتقده) وهو حس جدلي فاعل في الإبداع يتولد منه
    وعنه احتمالات لم تكن في الحس والوجدان.
    إن الأمكنة التي يتخذها الرسام عند التصوير، أرض منزلقة رجراجة، تريه ما لا
    يرى، لأنها متحركة ممتلئة ومدهشة، وفيها نوع من اللا أبالية بل والشماتة،
    لأنها في كل لحظة تثبت نسبيتها مقرونة بالزمان ، تقودها حركة كونية مستمرة
    على مدار الثواني والساعات وما على الرسام إلا أن يظل ملاحقا أنفاسه في هذه
    الظلال المتحركة، التي تجب الضوء في نوع من الإمحاء المستمر للذاكرة،
    ولتتحول إلى شريط من ظلال تطارد النور وتجسمه، أي تحوله من المطلق إلى
    المحسوس ، ومن المحسوس إلى المطلق، إذ يتبادل الضدان وظيفة الإمحاء
    والإظهار، حسب رؤية الفنان ومرجعياته، ومن هنا تختلف المشهدية الواحدة ما
    بين فنان وآخر .
    والرسام يتخذ مسافة ما بإحساس غريزي، يجعله متناسبا مع الموقف الانفعالي من
    المشهد الذي يبغي تصويره ،من حيث موقفه منه، ضمن تصرف حكيم في استخدام
    المكان، وإدراك نوعي لرد الفعل الذي سينتج من مواجهته بشكل صادم أو أليف،
    وعليه فإن المسافة التي تفصل الرسام عن المشهد المراد تصويره ، وزاوية
    النظر التي ينظر منها إليه، ستعطي خصوصية ما قد لا يطالها غيره من الرسامين
    ولقد كان هذا الأمر سهلا في المحترف والمرسم لكنه احتاج إلى تغيير في
    استراتيجيات الرسام عندما خرج إلى الهواء يقول أحدهم بصدد المسافة ما بين
    الرسام وموضوعه المصور : (نحن نعتاد على تحديد أطوال كل ما نراه في العالم
    الخارجي وفقا لارتفاع قامتنا …عندما تكون المسافة أكثر من ارتفاع قامتنا
    مرتين -فإن الجسم الإنساني يمكن أن يشاهد ككل متكامل ،عند هذه المسافة نكون
    على بعد يحقق لنا الرؤية المثالية التي تعرفنا على حجم الشخص الذي نراه
    ،وعلى هذا الأساس ندرك شكله ونسبه ،فعند هذه المسافة تراه عيوننا كشيء له
    صلة محدودة بأنفسنا فنتأمله بغير انفعال) وعلى هذا الأساس يمكن للرسام
    اختيار موقعه من موضوعه بعدا أو قربا فكلما ازداد قربا تم التفاعل بشكل
    حميمي وشخصي وكلما زاد الابتعاد ازداد الموضوع حيادية.
    يحاول كثير من الرسامين أخذ المشهد من مكان غير مكشوف ، وذلك ضمانا لحيادية
    الموقف الذي يتخذونه من المشهد ، بعيدا عن فضول الآخر الذي يدفع الرسام
    للعمل وفقا لهذا الفضول ، أو التأثير عليه باتخاذ قرار آخر ، فيتحول الفضاء
    إلى سلطة بدلا من كونه أفقا مفتوحا على الاحتمالات، مما يدفع الفنان إلى
    نوع من التسويات والمفارقات ، وهكذا يتصارع ( مراسين للفضاء يتصادمان في
    حقل المنظورية ، أحدهما خاضع للضبط والآخر مصنوع من الاندهاش ، وعبر الصراع
    الذي يذكر بصراع الآلهة الإغريقية في سمائها يحدث انقلاب "تكنولوجيات
    الرؤية مع البقاء غير المرئي " تقود إلى انقلاب في جماليات للوجود
    الأخلاقي) وليس الجمال الفني ولذلك يجب أن يحاذر الفنان من الوقوع في مطب
    المنطق القيمي خارج المنظور الجمالي .
    إن كمية الإسقاط في النور والظلال ، تتسرب في وعي الفنان وتضئ دواخلة
    البعيدة، ليصبح المشهد العياني مجرد محرض فقط، ويتحول الفنان إلى نوع من
    المشاهدة الخاصة، ليرى دواخله مطيفة على المشهد الأساس ، وملونة له، وكأن
    الرسام يبحث عن نفسه، وعن أنوار روحه ودواخله المعتمة الشفيفة.
    هكذا يحمل الرسام أدواته الصغيرة، بحثا عن مشهد قريب للدواخل من أغوار
    روحه، في عملية تنقيب فريدة، محملة بالشوق ومحمولة على المجاز، ليعود
    بمجموعة اسكتشات وتخطيطات كروكية، وربما بلوحة مائية إلى مرسمه العتيد،
    لينضد من جديد ويصوغ تلك اللمسات الشفيفة أو تلك المكنونة تحت ركام
    الطبقات، ليذوبها في هيئات جديدة ، تتجاوز أساسها ومحرضها وتأخذ كينونتها.
    تتحول الألوان إلى أمكنة حميمة وتتصارع المواد على سطح اللوحة من حيث هي
    أدوات لها خصائصها وتراكيبها التي تمتثل أو تعاند الرسام لكن (أداة العمل
    الفني ليست مجرد عقبة تقنية يتوجب على الفنان أن يتغلب عليها بغية أن يعبر
    عن شخصيته ،ولكنها عامل تمت صياغته بتأثير التقاليد وله طابعه القوي الحاسم
    الذي يشكل ويصوغ اتجاه الفنان الفرد وأداؤه) وعليه فإن معرفة الفنان
    ودرايته بالخامات والمواد وكيفية التعامل معها بالنسبة له وللآخرين مهم في
    قدرته على استنطاق المكان وتجليته في الحس والوجدان .
    المكان يلقي الرسام في قلب الحلم ، ذلك أنه يمارس عملية إيقاظ الذكريات
    النائمة من أيام الطفولة، أو ربما قبل الولادة ، ويحيله فورا إلى أحلام
    اليقظة، التي تعطيه متعة فريدة ، وتضرب شغاف قلبه الحساس ، ليعزف من جديد
    على أجوائها، ضمن إبداع جديد لا يمثل الواقع ، ولكنه ينزاح في عوالم خفيفة
    كالحلم إياه (وهكذا فإننا نملأ الكون برسوم عشناها، وليس ضروريا أن تكون
    هذه الرسوم دقيقة) ، والصور العظمى لها عمق حلمي بعيد الغور، لا يمكننا
    اكتشافه إلا بعد فوات الأوان، أي عندما نفقد قدرتنا على ممارسة الشباب ،
    حيث نصل إلى تجاوز أشواقنا، ونتسامى إلى جواهر الذات بعيدا عن الابتذال،
    وصولا إلى حفريات عميقة في الداخل ، لها تماس مباشر بالوجود والحقيقة يقول
    جبرا إبراهيم جبراSad من الفنانين من يدقق النظر فيما تحط عينه عليه ،
    ويعطينا صورة تفصيلية واقعية،ومنهم من يدقق النظر فيما يرى ردة الفعل
    العاطفية لما يرى ، ومنهم من يتخطى ذلك إلى ما هو أكثر شمولا وأعمق نفاذا ،
    ويعطينا انطباعا بصريا، كنشاط انطباعي ، ومنهم من يعطينا ردة الفعل
    الذهنية لديه ،أو فيجمع بين تجربته البصرية والذهنية والعاطفية) .
    أمام الأعالي يشعر الرسام بضآلته، ويضطر أن يراها بعين النملة، وليصبح
    المشهد مهيبا في العين والوجدان، ناقلا جلال تلك التخوم العصية على اللمس
    والمعاينة المجهرية، فيبدو الرسام ضئيلا أمام الكون، ويبدو الكون جليلا في
    العين، ويصبح التأمل نوع من العبادة .
    أمام عين الرائي الذي يشاهد المكان /الكون من مستوى النظر المألوف، يبدو
    الحوار مختلفا، ونحس بالتساوي والتوحد مع الكائنات، بل ونحس بألفتها
    الحميمة، نتلمسها نتجول في أماكنها، نستظل تحت أشجارها وندخل الدهاليز
    والكهوف، بل ونرتب الأشياء بالطريقة التي نحبها.
    من عين النسر نشاهد الكون مفروشا كسجادة ، نشاهد التفاصيل والطبوغرافيا،
    ونرى الوديان السحيقة ، نحس بسيطرتنا على الموجودات، وأننا نحتويها، نحس
    بحريتنا وعظمتنا وتفوقنا ، وننقل الإحساس بذلك للمشاهد، ليصبح مثلنا، يمتلك
    الفضاء والأشياء ويمارس حريته .
    وعليه فإن فن الرسم يحتاج إلى مهارة وتدريب وصقل ، (لكن الإنجازات الهامة
    فيه تمت بعيدا عن المهارة) ، ذلك أن الرسام الناجح يتجاوز باستمرار ما
    تعلمه، ولديه القدرة على نسيان ما هو معروف ،حتى يتمكن من تجاوز ما هو
    معلوم ، وصولا إلى بداية حرة. وعلى الرسام أن يعمل الفكر حينما يريد الرسم ،
    ذلك أن الرسم نوع من التنظيم المدروس لعناصر كثيرة وعصية، وعليه أن يجد
    الصيغة الأمثل لتوافقها وانسجامها، في بنية قادرة على الإحالة والتشفيف ،
    مع الاحتفاظ بقدر من معقولية المشهد البصري، وعالم الرؤية الفيزيائية
    والروحية.
    على الرسام أن يأخذ المشهد البصري في الحسبان من أجل الاستخدام الأمثل
    للمكان والرسم منه وفيه ، بل إن عناصر هذا المشهد من أشكال وألوان وأضواء
    وظلال ، مضافا إليه الجانب التعبيري المراد ، هي عوامل مهمة في اختيار موقع
    الرسام ، وزاوية النظر المطلوبة من أجل الصياغة والبناء الفني.
    الرسام الفنان لا ينقل الطبيعة وإنما يتحسسها ويتفاعل معها ، يعيد صياغتها
    (يضيف خبراته وممارساته في الحياة ، ويستعمل ما تعلمه من علوم وما خبره من
    عادات وتقاليد موجودة ، سواء داخل مجتمعه ،أو ما اكتسبه من معرفة أو رحلات
    داخل مجتمعات أخرى ،وما كل هذه العلوم والممارسات والمكتسبات إلا درجات
    جمالية تؤهل الفنان -في أي فن يمارسه-لأنه يضيف إضافات جادة إلى الطبيعة
    …في حالة قيامه بالعمل الفني ) ولا أجد عبارات أبلغ ولا أصدق مما قاله فان
    جوخ حول علاقة الفنان بالطبيعة (المكان )عندما قال: (إن الرسم هو كفاح قاس
    وصعب، فالطبيعة تبدأ كل حين بمقاومة الرسام ،ولكن الذي يعمل في جد وصبر لا
    يخطئ السبيل لأن هذه المقاومة تصبح محرضا له على أن يحسن انتصاره على
    الطبيعة فالواقع أن الطبيعة والفنان الصادق هما أبدا على وفاق) .


    الاستشراق / المكان
    (إن هذه الأماكن خلقت للفن فقط، تعال إلى هذه الأماكن البربرية تشعر بطبيعة
    الأشياء ، وأثر الشمس في الكائنات التي تخترقها وتشعل فيها الحياة بألق
    مذهل ……إن لهذا الشعب ولهذه البلاد سمات جمالية لم تعرف الأزمنة القديمة
    (اليونانية والرومانية )جمالا أفضل منها … فإذا أرادت مدرسة فن التصوير
    المعاصرة أن تشق طريقها ،فيجب على الفنانين الشباب ألا يستلهموا عائلات
    بريام واتريا ،وإنما يجب إرسالهم على متن أقرب سفينة متجهة إلى هنا
    ليتعلموا الأصول الكلاسيكية الحقيقية للرومانسية ،فروما هنا ليست في روما
    نفسها ).
    أوجين ديلاكروا
    من كتاب د.زينات بيطار /الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي /ص227/عالم
    المعرفة عدد157/الكويت 1992.
    (إن الكشف دائما يأتيني عن طريق الشرق).
    ماتيس
    د.عفيف بهنسي/الفن والاستشراق /دار الرائد العربي ،دار الرائد اللبناني
    /بيروت 1983/ص57.

    سادت حركة الفن الاستشراقي عبر حقبة زمنية تمتد منذ القرن الثامن عشر وظلت
    مستمرة حتى الآن ،والاستشراق عملية تثاقف ما بين الشرق والغرب (الغرب
    كمتفوق استعماري )، والشرق الذي يشهد مرحلة انحسار معرفي وحضاري ، بعد حركة
    مد حضاري لعدة قرون، أي في الوقت الذي كان فيه الغرب الأوروبي في مرحلة مد
    معرفي حضاري يبحث فيه عن ذاته عبر نفسه والآخر ، وقد كان الشرق هو الآخر
    بالنسبة له، وكان عليه اكتشافه ورؤيته من منظور متعدد الجوانب، يبدأ
    بالسياسي ويمر بالثقافي وينتهي بالهيمنة والاستعمار.
    لقد مثل الشرق في البداية للأوروبيين العلم والتقدم والخطر خصوصا بعد
    الحروب الصليبية واندحار الصليبيين عن الشرق والأراضي المقدسة ثم الاجتياح
    العثماني لبلدان أوروبا الشرقية فيما بعد ولذا (كان شعور أوروبا بالتحدي
    الإسلامي قويا ومثيرا للرهبة والخوف،فلقد كان الإسلام قريبا جدا من الناحية
    الجغرافية ، كما أنه كان يستمد كثيرا من معالمه الثقافية من التقاليد
    اليهودية والهلينية فضلا عن المسيحية التي طوعها بشكل يدعو إلى الإعجاب
    ،وذلك فضلا عما حققه من نجاح في المجال العسكري أو الحربي ) .
    وما يهمنا هنا هو البحث في علاقة الاستشراق الفني بالمكان(الشرق) ابتداء
    بالبناء والطراز المعماري ،فالمشهد الطبيعي والصحراء ،فالضوء والظلال
    والثيمات الشرقية من نقوش ومقرنصات وثياب وأثاث….الخ والأهم من ذلك كله روح
    المكان وتداعياته النفسية والأيدلوجية عند المستشرقين.
    على أننا لن ندخل في عملية متابعة أو تفاصيل لما تم إنجازه في الفن الغربي
    على هذا الطريق ، بل إن ما يهمنا هو البحث في طبيعة هذه العلاقة وهذا
    التثاقف ، وصولا إلى استشفاف المكان في العين الغربية وتجليه فيها وانعكاس
    ذلك على الفن العربي المعاصر.
    لقد تمثل المستشرقون الحياة الشرقية العربية والإسلامية عبر هروب في الزمان
    والمكان من حالة عدم التلاؤم مع التطور التقني السريع بعد الثورة الصناعية
    الذي لم يجد ما يعادله على المستوى الروحي لديهم فكان الشرق ( هو الهدف
    والمآل من حيث حفاظه على طابعه التقليدي الإسلامي ، باعتبار الإسلام دين
    ودنيا ، والشرق مهبط الديانات والوحي، والمكان المقدس الذي ولد ونشأ فيه
    المسيح وموطن الحياة الرومانسية الرعوية الحرة بامتياز) يقول ديلاكروا في
    هذا الصددSadقرأت كتبا عن الشرق :"أناستاز" أو مذكرات يوناني "الترجمة من
    الإنجليزية"،ورسائل عن اليونان ومصر، ومؤلفات سافاري ، وتاريخ مصر في عهد
    محمد علي بقلم ميتجين …والأزياء التركية للمؤلف شيك، ورسوم الغرافيك
    الموجودة في كتاب "أخلاق وعادات الأتراك "تأليف روسيه النحات لعام 1770)
    ومع ذلك ولذلك فإن علاقة الفنان الأوروبي بالشرق ظلت علاقة هجين تفتقد
    كثيرا من الجوانب الروحية التي لا يمكن الحصول عليها من قراءة كتاب أو رحلة
    لبلاد الشرق علاوة على ما للاستشراق من نظرة مادية أو ذرائعية استعمارية .
    لقد مثل الفن الاستشراقي مرحلة مهمة من طبيعة فهم الأوروبيين لبلاد الشرق
    ،فقد (تراوحت صورة الشرق بين المشاهد الخيالية المفرطة في الغرابة ،والصور
    الواقعية التي تسنى لكثيرين رؤيتها ومعايشتها لفترة من الزمن تقصر وتطول )
    فبعد أن كانوا يرونه من منظور العداء الديني والنظرة السطحية والأفكار
    المسبقة، أصبح لزاما عليهم التعرف عليه من قرب ، والقيام برحلات استكشافية
    مدعمة بالعلم والخرائط والدراسة الميدانية، وكان الفن أحد أهم مظاهر هذه
    الدراسة ، حيث رافق الفنانون كثيرا من الحملات العسكرية للشرق ابتداء من
    حملة نابليون على مصر عام 1798، أو دخلوا إليه كدبلوماسيين أو دارسين ، على
    أن الطابع المشترك فيما بينهم ظل استلهام فنون الشرق ،كنوع من تجديد الذات
    والتعرف على الآخر ، بهدف التثاقف رغم أن هذا التثاقف ظل معمولا به من طرف
    واحد، ولم يعادله حركة استغراب عكسية إلا في حدود ضيقة، وخاصة الفن
    الأيقوني الكنسي ، وقد أكد د.إدوارد سعيد على هذه الناحية من حيث عدم
    التكافؤ في القوى بين الطرفين ، فالغرب قوي سياسيا وعسكريا ، بينما تكمن
    قوة الشرق في روحانياته التي يفتقدها الغرب، الباحث عن التوازن الحضاري في
    نقلته الصناعية والاستعمارية الجديدة .
    يقول بوستيل : (يجب أن يبدأ المسيحيون بالتعرف على ألد أخصامهم على حقيقتهم
    في خصالهم وعيوبهم ، لكي يصبح بإمكان الأمراء الغربيين تذويب الجنس البشري
    في توافق تام ) ويقول المستشرق الألماني اورليخ هارمان : (إن الاستشراق قد
    عرف أن فرصته في التعاون الوثيق مع العلوم الأخرى ، من أجل الوصول إلى علم
    عصري منوع ، يحيط بالعالم الإسلامي ، علم نحن جميعا بحاجة إليه، والأحداث
    السياسية العالمية تعلمنا يوما بعد يوم، أن حاجتنا هذه في تزايد ملح ) وهذا
    دليل لا يدانيه شك على الأهداف السياسية لهذه الحركة الاستشراقية ومراميها
    ، ويمكن القول أن الاستشراق قد ظل (يتوجه بصورة دائمة إلى ماضي الشرق
    ،وكأن في ذلك إدانة لواقعه . فالغرب الذي بدأ يحس بتفوقه العلمي راح ينظر
    إلى الشرق من عل دون أن يشعر ولو للحظة بأن الشرق يشكل عليه خطرا إن من
    الناحية العسكرية أو الثقافية أو الحضارية) .
    على أي حال نحن بصدد دراسة الاستشراق في الفن بعيدا عن محاكمته في ملفات
    السياسة والحروب وإن كان هذا الجانب مفيدا في بعض الأحيان لأن هذه المواضيع
    لا يمكن فصلها بنية حسنة لكن ليس هنا مقام التعمق فيها وعليه يمكن القول
    أن الاستشراق (مزيج من الإدراك الجغرافي السياسي والتعبير عنه جماليا وفنيا
    وعلميا وسياسيا واجتماعيا وتاريخيا وأنثروبولوجيا ولغويا ،ووسيلة لإبراز
    الاهتمامات العديدة المتباينة المتضاربة التي تكشف في آخر الأمر عن التعارض
    بل والتناقض بين الشرق والغرب ، رغم ما يختفي وراء هذا التعارض والتناقض
    من تكامل) .
    من المعروف أن الطبيعة الغربية أقل شمسا وضياء من الطبيعة في بلاد الشرق
    ذلك أن الجغرافيا المناخية في تلك القارة أقل حرارة وأقل تعرضا لأشعة الشمس
    من مناطق الشرق ، مما سينعكس بشكل ما على نوعية المشهد واستقباله في العين
    لدى كل من الرسام والمشاهد، وعليه فقد فتن الغربيون بالضوء الطبيعي الذي
    يغمر المنظر الشرقي واستلهموا من هذا الضوء ومن ظلاله الواضحة كثيرا من
    الأعمال التي يتباين فيها اللون وأصبح اللون المشع هو أحد خصائص اللوحة
    الاستشراقية بل إن هذه الخصيصة قد أوحت للرومانتيكيين والانطباعيين
    والتعبيريين الانزياح نحو هذه الألوان فيما بعد ابتداء من ديلاكروا مرورا
    بسيزان وصولا لفان جوخ، وقد تحدث الفنان فرومانتين عن حبه للطبيعة الشرقية
    أثناء مرافقته لأوجيني زوجة نابليون الثالث على رأس وفد فرنسي في حفل
    الافتتاح لقناة السويس حين قال: (سنتوقف ونتأمل بإمعان كل ما هو مبان أثرية
    وآثار تاريخية ، أما المشاهد الطبيعة والعادات والسكان وهذه المناظر
    المائية الرائعة في تعرجات النيل ، فقد اعتبر بأنها لا تدخل في برنامج
    اكتشافاتنا لأنها لا تهم الجميع .أما نحن كرسامين فإننا نمر بسرعة وبدون
    شفقة أمام المشاهد التي تشكل موضوعاتنا المفضلة) .
    لقد ارتبطت البيئة العربية بالنور (ومن الطبيعي أن هذا النور كان مرتبطا
    بالشمس أكثر منه ارتباطا بالقمر والنجوم والبرق ومن الطبيعي أن ضوء الشمس
    حين يكون قويا يميل الناس إلى تفضيل الألوان الزاهية والدافئة ) ومن هنا
    جاء الشرق مرادفا للنور والضياء في لفظه ودلالته وارتبط في الوجدان الغربي
    بهذا الإشعاع (وهو حينا سكون الصحراء ورتابتها وبعدها اللامتناهي أو
    الأنوار الساطعة المتلألئة والشمس المحرقة، أو الأزياء المزركشة ،أو الحلي
    والمجوهرات والبذخ وكنوز ألف ليلة وليلة ….أو تجسيد للعصور القديمة ) .
    لقد مثل الاستشراق في الفن الغربي مخرجا له من تقليدية اللوحة الغربية في
    مواضيعها أو في بنيتها اللونية والشكلية فبعد أن كانت المواضيع دينية
    وأسطورية أصبحت تمثل مواضيع مكانية تاريخية وحياتية كما انتقلت من ألوان
    المحترف إلى ألوان الطبيعة ومن الضوء الصناعي إلى ضوء الشمس المشرقة وقد
    تطلب هذا التطوير إلى تغيير في بناء اللوحة وتوزيع عناصرها بشكل واقعي
    بعيدا عن ترتيبات المدرسة الكلاسيكية وأجوائها اللامعقولة وينطبق هذا
    التعميم على كل من المستشرق الرومانسي مثل "ديلاكروا "أو الكلاسيكي المحدث
    مثل "آن لوي جيروديه" وأعني هنا بالتوزيع الواقعي طريقة المعالجة والبناء
    وليس التقيد بالمشهد المصور واقعيا حيث قام العديد من الرسامين المستشرقين
    بتصوير المشاهد من خيالهم وأوهامهم.
    لقد مثلت اللوحة الاستشراقية ذاتية الفنان وإحساسه بالطبيعة ومن الطبيعي أن
    تلتقي هاتان القيمتان في الشرق ، باعتباره مكانا رومانسيا غنيا بأجواء
    الحياة الفروسية والرعوية في غلالة من الضوء الساحر أي أنه مكان يلبي حاجة
    الفنان ل( حرية الإبداع، والفردية، والديمقراطية، والليبرالية الفنية
    والسياسية ،والتمرد على كل الواقع المحيط والسائد الثقافي والسياسي، …بل إن
    توحد الإنسان بالطبيعة في الشرق ، يشكل حالة الحلم التي يعاني منها
    الرومانسي الأوروبي ابن المجتمع المتطور تقنيا وصناعيا، والمفتقر لعلاقة
    تفاعل مع الطبيعة لذلك نرى أن فن المنظر الطبيعي الشرقي ، قد استحوذ على
    اهتمام مجمل الرومانسيين الذين زاروا الشرق ) .
    إن الشرق عند الفنان كما يراه فرومانتين هوSadكل متكامل ،جدة في المظاهر ،
    فرادة في الأزياء غرابة في الوجوه ،سحر في الألوان ، والمس بأي مظهر من هذه
    المظاهر يعني تشويها لصورة الشرق ، وإعطاء فكرة باهتة عنه) .
    لقد زار العديد من الفنانين المستشرقين بلاد الشرق واستلهموا رسوماته بل إن
    تميزهم الفني جاء من هذا الاستلهام ومن هؤلاء الفنانين" ديكان "و
    "ديلاكروا "و "ديفيد روبرتس" وآخرين وقد صرح العديد منهم بأثر الشرق وسحره
    على فنهم، هكذا تأثر الفنان الغربي بكل ما هو شرقي في لوحاته ولعل معركة "
    أبي قير" للفنان "أنطوان جان جرو" خير مثال على هذا الاستلهام من (رايات
    خفاقة وأزياء مختلفة الألوان في بذخ وإسراف ، وغلمان يافعين، وزنوج عراة
    ،وجياد منقضة ،ومحاربين أشداء ، وجرحى غير مستسلمين يتهيئون لضرب خصومهم
    الضربة الأخيرة قبل أن يفارقوا الحياة …) .
    لقد ظل الشرق بالنسبة للكثير من المصورين المستشرقين محط إعجاب وانبهار وقد
    كان تقييم الشرق لديهم دائما يتم مقارنة مع الغرب لا شعوريا باعتبار الغرب
    هو المركز رغم انتصارهم لأفضلية الشرق يقول ديلاكروا : (تتسم بعض العادات
    الشعبية القديمة بجبروت ومهارة لا توجد عندنا حتى في أهم لحظات الحياة
    …فالبربري يقدم الشكر إلى الله على طعامه البائس ورداءه المهلهل ،ويعتبر
    نفسه في غاية السعادة بينما روح المسيحيين القلقة تظهر عدم رضاهم الدائم في
    البحث عن جديد) .
    لقد مثل المعمار الشرقي كمكان أحد أهم المؤثرات الفنية على رسوم المستشرقين
    أمثال الفنانين: " أدريان "، "دوزا" ، "بروسبيه" و "ديفيد روبرتس" ، وكان
    للمدن والآثار والعمارة الإسلامية والأزياء والعادات والتقاليد العربية
    ومظاهر الحياة الشعبية المرتبطة بالعمارة مكان بارز في لوحاتهم ،ويؤكد
    الدكتور عفيف بهنسي أن أهم أسباب التحول الفني نحو الشرق هو : (مدرسة
    ديلاكروا العربية، معارض الفن العربي في الغرب، أزمة الفن الحديث الغربي.)
    لقد خرج التجديد في فن الغرب من عباءة الاستشراق الفني من حيث (المبالغة،أو
    البحث عن المثير والغريب ،لتحريك العواطف …"لقد" كانوا يقدمون أنفسهم
    ومذهبهم على حساب الحقيقة بشكل عام، وهذا ما حصر إنتاج مجموعة الفنانين
    المستشرقين الذين تأثروا بمصر في حدود الشكل الخارجي) .
    لقد أدت ظاهرة الاستشراق في الفن الأوروبي إلى انزياحه للتماهي مع الفن
    العربي من حيث التناول اللوني والمكاني والتكوين والنظر إلى اللوحة (ككائن
    مستقل عن الواقع في محاولة لقراءة باطنه أي جعل الشكل سبيلا للوصول إلى
    المضمون ،وليس مجرد نقل أو تقليد للمرئيات المباشرة) وقد كان هذا هو الطريق
    الحاسم للتطور اللاحق في المدارس الأوروبية الفنية الحديثة من التأثيرية
    إلى مدارس الفن الحديث ولقد مثلت الانطباعية التي هي إحدى نتائج فن
    الاستشراق(الحد الفاصل ما بين الاتجاه الواقعي التقليدي وما بين الاتجاه
    الذاتي ….. لقد حررت الفنان أولا من جو المرسم حيث يعمل فيه وفق أصول
    تقليدية ،ينقل فيها دراساته التي قام بها أمام الطبيعة أو الحيوان أو
    الإنسان وطلبت من الفنان أن يخرج إلى الهواء الطلق ،إلى نور الشمس ،وأن
    يدرس تفاعل نور الشمس مع ألوان الطبيعة ، ثم حررته من الخط وقواعد المنظور
    ،كما حررته من التقيد بالشبه مع الواقع، وحررته أيضا من المدينة ودفعته إلى
    جو القرية والضواحي…) .
    ولقد غير فن الاستشراق بعض الرؤى والمفاهيم الخاطئة التي يحملها الغربيون
    عن الشرق والعرب وزاد من التناول الواقعي للحياة العربية والمكان العربي
    بعيدا عن شطحات الخيال والمبالغة والمغالاة واصبح الشرق هو محط الأنظار
    للكثير من الفنانين الغربيين بدلا من إيطاليا.
    لقد تحول الاستشراق في نهاية القرن التاسع عشر إلى جسر حداثي أمام الفنان
    الغربي ونافذة على عالم جديد في وقت كان فيه أحوج ما يكون لتعزيز الذات
    التي تتسارع نحو الحداثة بشك وعدم اطمئنان وقد أدى هذا إلى ظهور مدارس فنية
    حديثة(كمدرسة الأنبياء والوحشية والتكعيبية والبيكاسية وماتيس وبول كليه
    ….) هذه المدارس التي استوحت من الشرق أهم خصائصها وتوجهاتها على المستوى
    الفردي أو الجماعي ، ولقد ظل الشرق الهاجس الأساس لدى الفنان الغربي فبعد
    أن تمم ثورته على نفسه من خلال الشرق وذهب بعيدا في التجريد العبثي لم يجد
    منقذا له ومآلا سوى الدعوة إلى العودة للشرق مرة أخرى يقول دوغاردان بهذا
    الصدد : (إن تفاؤلي لا يسمح لي أن أتوقع أشياء كثيرة من حضارتنا ، ولكن إذا
    أمكن للثقة أن تمتد ،فإني لا أستطيع أن أتصور ذلك إلا من خلال الريح التي
    ستهب علينا من الشرق) وهو دليل إضافي على هذه العلاقة الجدلية ما بين الشرق
    والغرب وكأنهم لا يفكرون بذاتهم إلا من خلال الشرق.
    وكما كان الاستشراق طريقا لتطور الفن في الغرب فإنه أدى إلى تطور الفن
    العربي فمن المعروف أن العديد من رواد الفن التشكيلي العربي قد تتلمذوا على
    أيدي الفنانين المستشرقين سواء في المشرق العربي أو المغرب معتمدين على ما
    توصل إليه الفنان الغربي من رؤية للمكان وطريقة تعبيره عنه تقنيا ورؤيويا
    سواء في التصوير أو النحت وهو أمر قد ترك تأثيراته الإيجابية والسلبية على
    خصوصية الفن العربي من حيث اللوحة التي تعلق على جدار ونسيان اللوحة
    المخطوطة والمنمنمة بل وإدخال الحروفية في اللوحة الجديدة دون مبرر منطقي
    معقول.
    ولقد أنشأ الفنانون المستشرقون معاهد ومراكز أو محترفات لتعليم الفنون في
    بعض البلاد العربية مثل فيلا عبد اللطيف في الجزائر ومدرسة ليوناردو دافنشي
    ،ومراسم حي الخرنفش في القاهرة ومحترف جورج أليف في عمان وكان لمراسم
    الفنانين البولنديين تأثيره الواضح على كثير من رواد الفن العراقي ومحترف
    الفرنسي بيير بواييه في تونس ومحترف الأسباني بيير توشيه في تطوان ومحترف
    الفرنسي مارجوريل في المغرب.
    ومن أشهر الرواد العرب الذين تتلمذوا على أيدي فنانين مستشرقين أو درسوا في
    الغرب يحيى التركي ،وعلي بن سالم ،وجلال بن عبد الله والزبير التركي في
    تونس ، وميشيل كرشة، وتوفيق طارق ،وسعيد تحسين من سوريا ،وداود القرم ،
    وخليل صليبي ،وجبران خليل جبران من لبنان ،وأكرم شكري وفائق حسن ،وحافظ
    الدروبي، ومحمود صبري،وجواد سليم من العراق ،ومحمد راسم ،ومحمد تمام ،ونصر
    الدين دينة من الجزائر، وأحمد الورديغي ،ومحمد بن علال من المغرب ،ورفيق
    اللحام ومهنا الدرة من الأردن، ومحمود الأرناؤطي، وعوض عبيدة من ليبيا
    ،وإبراهيم الصلحي من السودان ، ومحمود مختار ويوسف كامل وراغب عياد من مصر ،
    وآخرين .
    ولقد قام هؤلاء الرواد بمهمة مزدوجة في الفن العربي المعاصر من حيث تأسيسهم
    للأصول التشكيلية العربية التراثية ، والاستفادة من فنون الغرب وكان في
    الاستشراق شيئا من حل هذه الإشكالية ، فمن الملاحظ أن جيل الرواد (كان أكثر
    ارتباطا بأصوله الفنية ،على الرغم من تأثيرات الثقافة الغربية في بدايات
    الاحتلال الاستعماري ) ولكنهم لم يستطيعوا التخلص من إسار الفن الغربي
    فبعضهم درس على الفنانين المستشرقين وبعضهم الآخر درس الفن في أوروبا نفسها
    وقد تجلى هذا التأثير في التصوير والنحت، فانتقلت اللوحة التصويرية من شكل
    المنمنمة والمخطوطة إلى لوحة الحامل وتم احتفاء الرواد العرب برسم الأمكنة
    الشعبية والتاريخية لتحقيق الموائمة ما بين فن الاستشراق والخصوصية
    المحلية علاوة على اعتماد الانطباعية والواقعية كمنهج في التصوير وكمثال
    على ذلك وليس الحصر أورد رأيا للناقد العراقي شوكت الربيعي حول فن الفنان
    العراقي حافظ الدروبي حيث يقول Sadولهذا فإن فترة تأثر الدروبي بالانطباعية
    الفرنسية بادئ الأمر لا تعني عدم امتلاك الفكر الرئيسي المحرك لكل عملية
    إبداعية في التجربة…) .

    الجمال/ المقدس / المكان:
    (جميع الفانين الذين يعيشون على الأرض اللانهائية ، التراقيون واليونانيون
    ،والبرابرة أيضا ، يتفوهون باسمك الجميل الذي يقدسونه ،كل في لغته ،كل في
    بلاده ، يسميك السوريون عشتار ، آرتميس ، نانايا، وتسميك شعوب ليسياليتو ،
    الملكة، ويسميك سكان تراقيا أم الآلهة، ويسميك اليونانيون هيرا ذات العرش
    العلي ، أو أفرودايت ، هستيا الخيرة ، ريا ، ديميتر ، لكن المصريين يسمونك
    تيووي لأنك أنت وحدك جميع الإلهات التي تسميها الشعوب بأسماء مختلفة) .
    فرانسوا دونان وكريستيان زيفي
    من كتاب" آلهة وبشر في مصر "/آرمان كولان /باريس 1991واقتباس آن واد
    مينكوفسكي /كلام الحجر/ص55/دار المدى /عمان.

    لا حدود للمكان ولا مقاييس للزمان، (لذلك ظلت النفس البشرية في حنين دائم
    إلى زمن البدايات، وعبرت عن ضيقها من الخطيئة الأم التي اقترفها آدم ، فهبط
    بسببها الأرض) ومن هنا جاء هذا الإرث الجمعي الذي يعيد الإنسان باستمرار
    إلى الطفولة والأسطورة والتاريخ، ذلك أنه مشدود باستمرار إلى المقدس ، أو
    إلى عالم السماء، ويحاول صنع النموذج الأرضي على صورة عالم المثل، أو
    إزاحته باتجاه هذا المثال، ولكنه لا ولن يصل إلى هذه الصورة، ذلك أنها عصية
    على التحقيق ، ومنزاحة إلى عوالم متخيلة، تقصر الأدوات البشرية عن
    تحقيقها.
    وعليه فقد جعل أحد الفلاسفة الجمال الأسمى منفصلا عن معطيات الصورة الأرضية
    بقوله: (أن جمال كل الأجسام هو نور الشمس هذا الذي نراه وقد أفسدته هذه
    المعطيات الثلاثة: تعدد الصور ،امتداد المكان ،وتبدل الزمان …انزع عنها
    مكانها في المادة وظلالها الزمانية وماديتها فلن يتبق إلا النور،ونور الشمس
    ظل النور الأكبر ) ومن هنا جاءت بعض التصورات الصوفية الإسلامية، حول
    الصور والتصوير من جهة التحريم والتحليل ، وحول النور الدنيوي والنور
    الإلهي من جهة أخرى.
    يتفاعل الرسام مع المكان ، إذ يمثل الجبل نقطة الاتصال ما بين الأرض
    والسماء ، ورمزا للتواصل ما بين المقدس والدنيوي ، فعالم الفوق ينبغي أن
    يظل عالم القداسة والطهر، أما الأرض أو عالم التحت فمكان للدنس ،(خلق آدم
    من تراب وبنزوله الأرض عاد إلى جوهره الحقيقي الذي نشأ منه ، وسوف تكون
    جميع أفعاله في تساوق مع ما قام به في العالم الفوقي) ، وكان لابد من
    إنزاله على الأرض حفاظا على قداسة الجنة ، وهي حيز مكاني لا يسمح بالدنس
    والعصيان ، والرسام في هذه الحالة يرى المكان من خلفية ذهنية، تستحضر
    خصوصية المكان التاريخية والأسطورية، فالمكان الأول في الأسطورة السومرية
    كان (يضم الأرض والسماء في حالة اندماج واتصال وتصف الأدبيات الرافدينية
    هذا الجبل بأن نهايته في السماء وقاعدته المحيطة به هي الأرض وأن الآلهة
    تجتمع على قمته ) .
    ومع تطور الحضارة الرافدينية تتطور الأسطورة حول بداية الخليقة وتتأكد
    قدسية الجبل إذ يقول الياد في (المقدس والدنيوي) : (إننا لنجد كثيرا من
    الثقافات تحكي لنا عن جبال أسطورية أو واقعية، تقع في مركز العالم : جبل
    ميرو في الهند، وهرابرزايتي في إيران ، وجبل البلاد في بلاد الرافدين ،
    وجبل جرزيم في فلسطين ، وكان يسمى سرة الأرض) ويمكن أن نضيف جبل الطور،
    وجبل قرنطل وجبل الجلجثة في فلسطين، وجبل طاوس في المكسيك، وجبل حوريب في
    سيناء، وجبل مهاترو الهمالايا في التبت، وجبال مؤاب وخاصة جبل نبو وجبل
    هارون "البتراء" في الأردن ، كما أن عرفات في مكة أم القرى ، اعتبر الجبل
    الكوني العظيم في التراث الإسلامي، وقد اختار الله الجبل كنفس عاقلة تتلقى
    كلام الله ويندرج عليها نتائج هذا التلقي بقوله تعالى (لو أنزلنا هذا
    القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) (سورة الحشر الآية 21 )
    وعليه يمكن القول: أن الجبل بأبعاده الفيزيائية والروحية، قد مثل للفنان
    أبعادا لها نوع من السمو أو القداسة ، ومجالا ثريا للتمثيل والتخييل ، إذ
    أن الآلهة في التصور الجمعي، تحب أن تكون في الأعالي المنيعة حيث يصعب على
    البشر أن يتنفسوا، أما العبادة فتكون على رأي إينان (إنما تتعبد في الأماكن
    نفسها) .
    فالأعلى (يمنح مجالا أوسع للرؤية والمراقبة بمقابل المكان السهل حيث
    الانخفاض يضع ساكنيه في مفاجآت غير متوقعة…فالمكان الجبل كائن سرمدي يتحدى ،
    يقاوم ،بل هو منبع المقاومة التي يبديها ساكنه تجاه هيمنة الآخر …إن سمة
    الخلود التي يتميز بها المكان /الجبل ترفع هذا العنصر المكاني إلى مرتبة
    الكائن الخالد قرين الأبدية والخلود) .
    أما الوادي فيمثل البئر المقدس،وقد جاء في التعبير القرآني كلمة واد مقرونة
    بالمقدس لفظيا أو معنوياSad فلما أتاها نودي يا موسى *إني أنا ربك فاخلع
    نعليك إنك بالوادي المقدس طوى *وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى ) (سورة طه
    الآيات 10-12 قرآن كريم)، أو قوله تعالى: (إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى)
    (سورة النازعات ألآية15 )أو قوله تعالىSadربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير
    ذي زرع عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم )
    (سورة إبراهيم ألاية37)، والمقصود مكة، ويعتبر المكان الخفيض محلا
    للممارسة الطقوسية والصلاة ،كما هو واضح من الآية، وقد كانت هذه العبادة
    تمارس من قبل نزول الإنسان على الأرض في السماء ، وقد وردت المفردة في سورة
    الشعراء : (والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ) (قرآن
    كريم سورة الشعراء) وهو إشارة ما إلى وادي عبقر ،الذي تسكنه شياطين الشعر،
    والشياطين رغم دنسهم ، إلا أنهم يمثلون عالم غير بشري ، كما وردت كلمة واد
    في سورة النمل ، في أجواء مليئة بالجن، قال تعالى: (حتى إذا أتوا على واد
    النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده
    وهم لا يشعرون) (سورة النمل الآية 17 ) ،كما وردت هذه المفردة في سورة
    الفجر، بعد الآيات المتعلقة بقوم عاد بقوله تعالىSadإرم ذات العماد التي لم
    يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) (سورة الفجر الآيات
    7-9/ قرآن كريم) وقد جاءت اللفظة مشحونة بالجو الأسطوري لقوم عاد ، الذين
    تميزوا بالضخامة، ونحتوا بيوتا لهم في الصخر كالأنباط، ولذلك اشتهرت قيعان
    الأنهار في مختلف الثقافات ، وخاصة في الهند، وبلاد النيل والرافدين ووادي
    الأردن بالقداسة، ولعل التعميد في نهر الأردن هو نوع من هذا الطقس المقدس
    على أي حال ،كما أن وادي الملوك في مصر الفرعونية هو المكان الأمثل للمقابر
    والمعابد الملكية الفرعونية.
    والوادي مكان تكثر فيه الينابيع وزمزم نبع (يعيد سيرة أصل الحياة ويعيد إلى
    الفكر المعرفة التي تنبع من الذاكرة الأصل ،من مكان المعرفة المقدس )
    وآبار الماء بشكل عام مكان القداسة والأسرار ابتداء من بئر زمزم وبئر سبع
    وبئر ويوسف(وبشكل عام فإن للمياه مهبط العرش – وموئل الخلق دورها …… سواء
    كانت أنهارا أم آبارا أم موانئ "الإيلاتات جمع إيلات" فللمياه الجوفية –
    مثلا – قدرة الاستجابة بالتفجر للصالحين أو المقدسين مثل بئر سبع إبراهيم
    وزمزم بئر إسماعيل ) .
    أما الكهف فهو مقدس أيضا، وهو غالبا ما يقع في منطقة متوسطة الارتفاع فيما
    بين الجبل والوادي ، ومن هنا كان مكانا وسطيا رحبا، لنزول الوحي وتلقي
    الرسالة السماوية، فالرسول محمد عليه السلام تلقى رسالة الوحي في غار حراء ،
    وموسى عليه السلام تلقى الرسالة السماوية في طور سيناء ،قال تعالى:
    (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا) (سورة مريم الآية 52/قرآن
    كريم) بل إن كثيرا من الكهوف قد تحول إلى أمكنة مقدسة، كمغارة الأنبياء في
    الخليل، وكهف أهل الكهف في عمان،قال تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف
    فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا *فضربنا على آذانهم
    في الكهف سنين عددا) (سورة الكهف الآيات 10-11/قرآن كريم ) وقد أخذت كثير
    من الكهوف طابعا مقدسا، كمغارة الدماء في جبل قاسيون.
    إن مكة التي كانت منفى لهاجر مع وليدها ،وفي دلالة اسمها ما يعني الهجرة ،
    في آخر حدود على طرف الصحراء ، ومكة (موضع ذي دلالة أساسية :بئر،حبل سرة
    النظر، والماء وجه رحمي يسهل فيه المخاض العسير، مخاض ولادة إسماعيل، ……"في
    آخر حد يصل إليه الإنسان" وهذا يقضي بأن يكون إسماعيل، هو حقا صحراء
    الكلام ، أو بعبارة أخرى آخر حدود الكلام، والحدود التي يبدأ عندها كلام
    الله ، …وهكذا يجد إسماعيل نفسه في أقصى نقطة، حيث تركه أبوه في صحراء
    الإيصال) الصحراء التي سوف يسمع فيها كلام الله وما اسم إسماعيل إلا تجسيد
    لهذا الفعل الإلهي ومعناه (اسمع أيل) وأيل هو الله باللغة الآرامية وتعزز
    رمزية اسمه واسم أمه هاجر فحوى الهجرة لسماع كلام الله.
    الصحراء إذن مكان مهيأ للوحي والأسطورة، ومكان لاستقبال كلام الله واسمه
    المقدس، لذلك نزلت الآية (اقرأ باسم ربك الذي خلق) (سورة العلق الآية1) على
    محمد هناك ، وهو نوع من استمرار كلام الله لإبراهيم وإسماعيل فمحمد، في
    مكان مخصوص (مكة) من حيث اجتماع الصحراء والماء فيها ، ومن حيث همزة وصل
    للكلام - كلام الله للأنبياء والبشر ، مكان في آخر حدود الإيصال على حافة
    الصحراء ، قال تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام
    إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين
    والركع السجود )(سورة البقرة الآية125) وهكذا (يظفر محمد بالحرف في
    الصحراء :- في هذا الحيز الأمومي ،.…حيث ولد الحرف "اقرأ"،……والتي لا تطرح
    مسألة هوية كاتب الحرف بل عمل الكتابة) من حيث هي فعل مقدس بأمر مقدس ،
    يمارسه الإنسان في مكان رحمي مقدس .
    (في أبعاد الصحراء تكمن قيم الطبيعة وسحرها فهي فضاء بكثبان وفضاء بواحات،
    وفضاء بسماء وأفق منطبقين، فضاء بألوان قوس قزح …فضاء متصل اتصالا مباشرا
    بالسماء فكانت الأديان) الصحراء أيضا تحمل في ذاتها ضدية المكان من حيث أن
    المكان استقرار وهي بمعنى ما هجرة وانتقال وما اسم هاجر إلا تلوين لمعنى
    الهجرة في الصحراء وهي بالتالي مكان قاحل ليس فيه إلا الخوف ، من حيث هو
    مكان أسطوري يقترن بالميثولوجيا والأمر والغزو والهيمنة،الصحراء مكان هجومي
    أما الجبل فمكان دفاعي والصحراء مدى مفتوح (على البحث عن الكائن المتجلي
    في شتى الأشكال إنه المكان المؤآتي للوحي ومكان كل الخوافي في غوامض النفس
    .فهو إذن مكان بين العتمة والضوء ،بين الظلمة والنور ،وبين اختفاء المعنى
    وانكشافه .غياب المعنى مجلبة للعقم واكتشافه مبعثة للخصب) .
    القدس/الجبل مكان آخر للقداسة، فهي باب السماء ومحط الأنبياء، وأرض الإسراء
    ،وقد باركها الله وبارك ما حولها بقوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده
    ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، الذي باركنا حوله لنريه من
    آياتنا إنه هو السميع البصير) (قرآن كريم الآية1/سورة الإسراء) وهنا تأكيد
    على انتقال محمد عليه السلام من الصحراء إلى الجبل في رحلة الإسراء وهو
    تأكيد لدور الصحراء كمكان للهجرة والانتقال وإذا كانت مكة مركز الأرض عند
    المسلمين فإن القدس هي القبلة الأولى قبل مكة، ولها هذا المركز عند
    الديانتين السماويتين الأخريين ، وهي باب السماء عند الجميع ، ومن هنا جاءت
    قدسيتها وقدسية ما حولها، ليصبح المكان المقرون بها مهدا للديانات ومهبطا
    للرسالات المقدسة وموئلا للأنبياء ، ومن هنا جاءت رسومات القدس وأيقوناتها
    مليئة بهذا الجو الروحاني الملغز بالأسرار.
    لقد اتخذ الأنباط المكان إلها، كالمدن والجبال ( مثل تأليههم لأول مدينة
    نزلوا فيها وهي مدينة جايا، وهكذا ظهر الإله جايا مكانا وليس دالا على
    المكان) وقد وضح لنا نقش من صلخد، أن الآلهة كانت تسمى (ربة أتر) أي سيدة
    المكان، ومثلها ربة عمون وعمون مكان أيضا، وهي تشبه عشتار في كل مظاهرها
    الدينية والدنيوية.
    وكما أن للأماكن والتضاريس مكانتها الميثولوجية عند الناس ، فإن للجهات
    مكانتها المقدسة أيضا ، فالقبلة مقدسة عند المسلمين، وهي الجهة التي تكون
    فيها مكة ، ممثلة لمركز الكون،والقدس القبلة الأولى للمسلمين وقبلة لليهود
    والمسيحيين ، أما بالنسبة للهندوس ، فتمثل منابع أنهارهم المقدسة في الشمال
    مكانا مقدسا، وهكذا فإن لكل أمة جهة ومقاييس معينة في القداسة ، تعود
    لمرجعيات دينية وأسطورية مختلفة.
    هكذا يحضر المقدس في المكان ليصبح مقدسا هو الآخر (المكان)، وليتحول إلى
    سجل لفعل الخلق ، ومركز اتصال مع الله، وحافظا لأسراره ومصدرا لعطاياه
    وكلامه المقدس ، وما على الرسام إلا أن يتمثل هذا الطقس، مستنفرا كل طاقاته
    حتى يكون قادرا على استشفافه، وقابلا لإحالاته ومستقبلا لعطاياه .
    يلقي المكان المقدس بسحرة على الرسام ، ويحيله إلى استرجاع العقل الجمعي في
    أبعاده الأسطورية والميتافيزيقية ، وربما ينتقل به عاموديا في الزمان ،
    محملا بالحاضر المعاش ، وصولا إلى المستقبل المأمول، ويصبح الرسام مهيأ
    لاستقبال وحيه الملغز بالقداسة والأسرار، إذ أن هناك أبعادا اجتماعية تبدو
    واضحة، عندما يتحول المقدس إلى طقوس تمارس لدى الفرق الدينية والصوفية
    والمذهبية ولعل الجامع الأموي في دمشق وهو أحد أقدم ثلاثة مساجد إسلامية
    لعله خير ما يمثل هذا (التحول الأيكونوغرافي "الذي" يكشف مساحات التناسخ
    العمودي للتراث البصري وهوامشه التي تعدلت بتبدل العقيدة التوحيدية) حيث
    أنه من المعروف أنه قد تحول من معبد حدد الآرامي إلى معبد روماني فكنيسة
    يوحنا المعمدان فالجامع الأموي.
    يتحول المقدس على يد الرسام من المغيوب إلى المؤنسن، ومن السماء إلى الأرض ،
    على شكل كنائس وجوامع ومعابد، خصوصا في المجتمعات الثيوقراطية، مقربة
    المقدس إلى ممارسة اجتماعية فالمقدس هو: (المستحيل الاستثنائي الوحيد من
    بين سواه من الاستثناءات ، الذي باستطاعته أن يصير ممكنا ، ويبقى مع ذلك
    مستحيلا ) ويصبح الرسام هو مستقبل المقدس/ الوحي لكن هذا الوحي ينتقل من
    وضع القداسة المطلقة إلى الأنسنة، وفي هذا الجدل ما بين المقدس والدنيوي
    يجير المقدس سحر المجهول إلى حسابه الخاص ، ويقدم غيابه كما لو كان هو
    الموجود ولا شيء سواه ، (المشهد حاضر بماديته في المكان والزمان ، ومتحرر
    بدلالته منهما ..حضوره المادي ا

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت مايو 27, 2017 9:44 am